الشيخ الطبرسي
362
تفسير مجمع البيان
إن الله تعالى قد ملك عباده في الدنيا أمورا ، وجعل لهم تصرفا ، ويزول جميع ذلك في الآخرة ، ويرجع إليه كله ، كما قال : ( لمن الملك اليوم ) . وفي وقوع المظهر موقع المضمر في قوله ( وإلى الله ترجع الأمور ) قولان أحدهما : ليكون كل واحد من الكلامين مكتفيا بنفسه والاخر : ليكون أفخم في الذكر والموضع موضع التفخيم ، وليس كقول الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شئ نغص الموت ذا الغنى ، والفقيرا لان البيت مفتقر إلى الضمير . والآية مستغنية عنه . ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن من أهل الكتب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ( 110 ) ) . المعنى : لما تقدم ذكر الأمر والنهي ، عقبه تعالى بذكر من تصدى للقيام بذلك ، ومدحهم ترغيبا في الاقتداء بهم ، فقال : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قيل فيه أقوال أحدها : إن معناه أنتم خير أمة ، وإنما قال ( كنتم ) لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية ، عن الحسن ، ويعضده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " أنتم وفيتم سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله " وثانيها : إن المراد كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ ، عن الفراء والزجاج . وثالثها : إن كا هاهنا تامة . و ( خير أمة ) : نصب على الحال ، ومعناه : وجدتم خير أمة ، وخلقتم خير أمة ورابعها : إن كان مزيدة دخولها كخروجها ، إلا أن فيها تأكيدا لوقوع الامر لا محالة ، لأنه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة ، فهي بمنزلة قوله تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل ) . وفي مواضع آخر : ( إذ كنتم قليلا فكثركم ) ونظيره قوله : ( وكان الله غفورا رحيما ) لأنه مغفرته المستأنفة كالماضية في تحقيق الوقوع وخامسها : إن كان بمعنى صار ، كما في قول الشاعر : فخر على الآلاء توسدته ، وقد كان الدماء له خمارا ( 1 )
--> ( 1 ) الآلاء كسحاب : شجر مر دائم الخضرة . توسدته : أي : صارت وسادة له .